بقلم :الأستاذ عبدالرحمان أغـــــــــزاف
الماء قوام الوجود أساس الحضارة . بتوافره تزدهر الحياة ويتألق الكون ويسعد الإنسان وسائر الكائنات؛ وبنذرته تكفهر الأجواء وتنشأ الصراعات وتندلع الحروب التي تكون فيها الغلبة للمتحكمين في مورده ومصادره، القادرين على توفيره لأنفسهم والضغط على خصومهم. هكذا كان الأمر على امتداد العصور والأزمان . وكذلك هو في المرحلة المعاصرة، إن لم يكن اليوم أدهى واخطر،
منذرا بمستقبل سيكون فيه الماء سبب نزاعات كبرى . وطنية وإقليمية ودولية ؛ لاسيما والتغيرات المناخية وما يترتب عليها من تقلص في التساقطات المطرية وفي مختلف منابعه، تزيد مشكلته حدة وتضخما؛ إضافة الى ما ينتج عن ارتفاع مستوى العيش من مضاعفة الاستهلاك، بشيء من الإسراف يبلغ حد السفه، في غير وعي بالأخطار الناجمة عن ذلك .
إذا كان الماء ــ بهذا وغيره ــ يكتسي أهمية بالغة، فان الحاجة ماسة إلى التوعية بهذه الأهمية على مستوى الأفراد والجماعات، بما يفضي الى استيعابها وبلورتها في ترشيد الاستعمال.
شهدت الدول العربية في السنين الأخيرة تدهورا ملحوظا في مواردها المائية من حيث الكم والنوع. وسبب ذلك العديد من العوامل المتداخلة فيما بينها ، بعضها اجتماعي واقتصادي والباقي طبيعي وبيئي, وقد ترتب عن ذلك وجود ثغرة بين ما هو متاح من موارد مائية متناقصة ، وما هو مطلوب لسد الحاجيات الضرورية المتزايد ة. ومن المؤكد علميا أن الثغرة تزداد عمقا سنة بعد سنة. وقد شعرت بعض الدول العربية بخطورة هذا الوضع، وبدأت ــ منذ سنوات ليست بطويلةـــ في وضع خطط وبرامج في سبيل الوصول الى استراتيجية معقولة على إيجاد توازن بين الإمكانيات المتاحة ومتطلبات خطط التنمية الاقتصادية وإطفاء ظمأ الشعوب العربية . أغلب هذه الاستراتيجيات ركزت على محورين أساسيين : أولهما ، مشاريع تنمية وزيادة كمية المياه ، وذلك عبر تجميع مياه الأمطار والمياه الجوفية والسطحية ، وإعادة استعمال مياه الصرف الصحي وهو أمر آمن ومطلوب رغم أن البعض يرونه غير مرغوب ذوقيا ، وتعميم مصانع تحلية مياه البحر والمياه المالحة. وثانيهما ترشيد استعمال المياه والمحافظة عليها، وتتمثل في تقليل الاستعمال الحالي في الزراعة من خلال استعمال طرق ري بالتنقيط، وحماية نوعية المياه من مصادر التلوث وغيرها... الخ .
إن مسؤولية بناء وتمويل المنشآت المائية تقع على عاتق الدول، إذن فالمحافظة عليها وحدها لن يحل المشكلة، بل من الضروري تطوير مصادر جديدة للمياه العذبة وحسن استثمارها ، في نهاية الأمر، هذه مسؤولية الشعوب العربية الذي يتمثل في المواطن العربي العادي، وفي المزارع،وفي الصانع،وما يشتمل عليه ذلك من سلوكيات وتقاليد ووعي وتقدير لأهمية المياه، ومدى إدراك المواطن العربي المستفيد أيا كان موقعه للتمييز بين المنفعة الشخصية ومنفعة المجتمع العربي ككل.
وليس بجديد على أحد، أن السياسات المائية حاليا في جل الدول العربية غير مجدية ماليا و بيئيا أو اجتماعيا ، لأن كمية المياه الضائعة، كما ونوعا، في الوطن العربي، على وجه الخصوص، تتجاوز مراحل ما يمكن تنميته من موارد مائية جديدة في حدود المعايير الاقتصادية المقبولة، وأن النظرة الاقتصادية السليمة تشير الى أنه إذا كانت التكلفة في حل مشكلة ما أكبر من المر دودية، فإن هذه السلعة ستكون غالية الثمن، مع ما ينطوي ذلك على تعطيل رأس المال وسوء تخصيص الموارد التي ترتبط ديناميكيتها بديناميكية الاستثمار.
إن أثمن مورد طبيعي في الخليج العربي هو المياه وليس النفط . إلا أن التوعية بخطورة الاستعمال غير الرشيد للمياه مازالت تحتاج إلى بذل جهود إضافية على كافة الاتجاهات، ومن كل المؤسسات، فالمجتمع بكل فئاته وأطيافه ينبغي أن يشارك بفعالية في مثل هذه الجهود ويأتي على رأسها المؤسسات التربوية المطلوب منها زرع المفاهيم الصحيحة في نفوس الناشئة في كيفية التعامل الرشيد مع المياه بعد أن بات الإسراف - وللأسف - جزءاً من ثقافتنا الاستهلاكية.
يجب التركيز بكل من ما أوتينا من قوة على تثقيف وتوعية وإرشاد الشعوب العربية بجميع مستوياتها بهدف الحد من الكميات الضائعة في استعمال المياه، وهذه القضية تعتبر جوهر الاستعمال الأمثل للمياه في الوطن العربي، لما ينطوي عليه من أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية، لما لها من نتائج فعالة. إن جميع الدول العربية، وعلى كافة مستوياتها، لم تتأخر في استخدام كافة وسائل الإعلام والتوعية والإرشاد لحث الشعوب العربية على المحافظة على المياه، لكننا ورغم كل المجهودات المبذولة في هذا الاتجاه ، ما زلنا متأخرين جدا عن تحقيق نتائج ملموسة من تطبيق هذه الوسائل . والسبب في رأيي يعود، إما الى عدم كفاءة التطبيق أو أنها ضاعت وسط كثرة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجديدة، ولهذا يجب التركيز و التنقيب والتمحيص عن المعوقات والتحديات التي تؤدي بدورها الى إضعاف جدواها ونرهق أنفسنا في التفكير، للتغلب عليها من خلال تدعيم الوعي للشعوب العربية التي ما تزال تنفرد بادراك محدود بأهمية المياه كثروة وطنية من الواجب الحفاظ عليها واستعمالها بالأسلوب الأمثل.
لن يحتاج المرء، والحال كذلك، الى قدر كبير من الذكاء حتى يفهم أن هناك أمور خطيرة في المجال المائي بالمنطقة العربية، حيث أن هناك عجز كبير في الموارد المائية ليس لها أي تفسير نتيجة لضعف برامج التنمية أو عدم مطابقتها للواقع المحلي، في حين أن هناك هدر خطير للمياه نتيجة سوء استعمالها، وبذلك فإن مشكلة المياه في الوطن العربي لا تنحصر فقط على مشاريع التنمية بل أيضا في كفاءة استعمالها والمحافظة عليها، وفي هذا المجال يجب الإشارة الى أن استعمال المياه في الزراعة يمثل النسبة العظمى، لهذا فإن الاهتمام الأكبر لترشيد استعمال المياه ، يجب أن يرتكز أساسا في الاستعمال المياه للزراعة من أجل توفير الغذاء الذي يتزايد الطلب عليه سنة بعد أخرى نتيجة للتزايد السريع للنمو السكاني.
ليس من الضروري أن تكون عالما في أمور الماء لكي تفهم ما يتوجب عليك فعله ، لأن سلوكيات وتقاليد المواطن العربي دفعت بدورها الى هدر وضياع كمية كبيرة من المياه ، فهي تظهر أساسا في سوء استعماله وفي تلويثه لموارد المياه نتيجة لفقدان الوعي وعدم استعداده لتغيير تعامله مع هذا المورد الحيوي.
فالوعي المائي هو إدراك الفرد للمشكلة المائية كإحدى المشكلات البيئية من حيث حجمها وأسبابها وأبعادها وكيفية مواجهتها, وتأثير الإنسان فيها وتأثره بها، والشعور العميق بالمسؤولية تجاه مواجهة هذه المشكلة والتصدي لها، بمعنى أن التعامل الحكيم والاستغلال الرشيد للموارد المائية, بما يستهدف المحافظة عليها من النفاذ لأطول وقت ممكن، والاحتفاظ بها في حالة تسمح باستمرارها واستمرار منفعتها لأكبر عدد من الأجيال، وذلك بناءً على الإدراك والفهم والمعرفة المتعلقة بالمياه وقضاياها.
يتسم سلوك المواطن العربي اتجاه المياه ، بالإسراف الزائد الذي لا مبرر له لموارد المياه ، وتدل معدلات استهلاك المياه سواء للشرب أو الصناعة على رفاهية زائدة يترتب عنها هدر بالغ للمياه . ثـم ، بتلويث هذه الموارد بدون وعي أو إدراك، وذلك بتصريف مخلفات الصناعة والزراعة والاستهلاك البشري في مجاري الأنهار، ونحول الماء شرابا مميتا بدل أن يكون شراب الحياة. فرغم علمنا بوقوع الضرر، فلا أحد يعلم حجمه ، وإذا لم تبذل جهود جبارة في حماية الماء ، فسوف ينزاح الستار عن مشاهد أقل دراماتيكية وأكثر مأساوية لا قدر الله .
بالرغم من ضخامة كميات المياه الضائعة كما ونوعا ، فبالوعي والإدراك والعمل الجاد يمكن الاستفادة من قسط كبير منه كأسلوب آمن لتنمية موارد المياه ، مع إمكانية المحافظة عليها والحد من تلوثه، وذلك كله بتكاليف ضئيلة جدا لا تقارن بأي حال بالتكاليف الباهظة التي تتطلبها مشاريع تنمية موارد مياه جديدة، وذلك بعيدا عن التخوف من التغيرات المناخية.
وفي مثل هذه الحالات ، يبرز موضوع إرشاد وتوعية الشعوب العربية في الدرجة الأولى كمعالجة أكيدة المفعول وذات مردود سريع، ولا أتتردد ولو لحظة في القول، يجب أن يكون موضوع الإرشاد والتوعية من أولوية الأولويات لكل دولة عربية و أن تأخذ الاهتمام الكبير والوقت الكافي للدراسة والتحليل والتطبيق ، لأن الماء خادم نافع جدا ، ولكنه سيد قاس .
البداية الحقيقية التي أراها ضرورية لغرس الاتجاهات السلوكية الصحيحة هو الركض السريع وليس الزحف ببطء نحو التعامل السليم مع المياه في المجتمع بأسره وإكساب أفراده أنماط جديدة من السلوك تتسم بالتحضر والوعي هي الأبناء ، نعم أبناؤنا في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز هذا المفهوم وترسيخه في نفوسهم من خلال ممارسات عملية ضمن الأنشطة التربوية، و التأكيد على ترشيد استهلاك المياه وزيادة وعيهم وسلوكهم من خلال طرق غير تقليدية باعتبار أن ذلك مطلب وطني وضرورة حياتية للحفاظ على البيئة.
ولا شك أن ترشيد استهلاك المياه يعكس الالتزام بالمبادئ السامية التي تنبهنا دوماً إلى عدم الإسراف.كما أن الترشيد يعد مؤشراً على المواطنة الصالحة ورمزاً للتحضر وإسهاماً حقيقياً في حماية البيئة.
وعلى المواطن العربي أن يدرك أن حفاظه على المياه يندرج من إيمانه بعدم الإسراف والتبذير في كل شيء ، خاصة المياه ، ويجب أن يكون على قناعة داخلية بأنه في حالة هدره للمياه فإن سلوكه هذا من شأنه أن يجحد نعمة الماء ويتنكر لها.
ولا يخفى أن الديانات السماوية المختلفة أبرزت قيمة خلق الله للماء وسبق هذا الخلق على غيره، إظهارا لكونه قوام الحياة، وإظهارا كذلك لعظمة الخالق . مما يدل على تفاصيل وتصورات كل عقيدة على حدة.
وان المتأمل في تصور الإسلام للماء، ليجد أن للدين الحنيف منظورا لهذه المادة، يتسم بكونه شموليا ومتكاملا؛ وكذا برؤيته المتطورة التي وضعت الماء ــ من حيث مصادره وإنزاله ومنافعه ــ في سياق علمي لم تدرك الإنسانية أبعاده إلا في العصور المتأخرة، بعد أن تم الاهتداء الى بعض النظريات التي قلبت ما كان شائعا من مفاهيم، والتي وجدت منسجمة مع ما أنبأ به القرآن الكريم .
ولا ينبغي بأي حال من الأحوال التساهل في إهدار المياه وتبذيرها بهذه الصورة المشينة والتي تعكس عدم وعينا بقيمة هذه الثروة النفيسة. ولا يجب أن يكون رخص ثمن المياه ووصولها إلى المستهلكين بأسعار في متناول أيديهم دافعاً لهم لإهدارها، لأن الترشيد يعني بكل بساطة المحافظة على حياتنا ومستقبل أجيالنا القادمة.
نظرا لكل هذه الأهمية التي للماء، فقد أمر الشرع بحسن استعماله وإشاعة هذا الاستعمال ن في غير احتكار ولا استغلال . وحتى تتحقق هذه الغاية، فان الناس مطالبون باستعمال الماء في حدود الحاجة والضرورة ، وكيف والله عز وجل يقول : ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر) سورة المومنون الآية 18 .أي بقدر الحاجة إليه، فلا هو بالكثير الذي يزيد على هذه الحاجة فتحدث فيضاناته الفساد ، ولا هو بالقليل الذي لا يفي بالحاجة فيسبب نقصه جفاف الأرض وتقلص الزرع والثمار. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في استعمال الماء حتى في الوضوء.
النتيجة النهائية لكل ما تقدم هي أن الطريقة الأسرع ﻹيقاف نزيف مصادر مياهنا ، هي إجراء عملية إسعاف أولي عن طريق ترشيد الاستهلاك والتوعية. بعدها ، يستطيع المريض وهو العالم العربي ، أن يخفف من الضرر الذي سببه لنفسه ، بينما نعمل بسرعة وجد لتطوير عملية الإنعاش الضرورية : تحلية المياه أو البحث عن مصادر جديدة للمياه .
في ضوء ما تم عرضه من أفكار قد تبدو متعددة وصعبة التناول، إلا أنها في حقيقة الأمر تنطوي في مجملها على إطار عمل على المستويات المختلفة في محاولة للتقرب من حلول للعوامل والمسببات التي أدت الى الوضعية التي نحن عليها الآن ، والمعوقات التي تقف أمام تطبيق وسائل التوعية والإرشاد.
وفي هذا المجال لا يمكن اتباع منهجية أو مناهج محددة للتوعية والإرشاد، وذلك راجع لعدة عوامل متعددة تختلف من دولة لأخرى ومن قطاع لآخر. ولكن هناك أربع اقتراحات يمكن طرحها للمناقشة :
… القيام بمسح ميداني للتعرف على أحسن الوسائل الإعلامية للتوعية والإرشاد على ضوء أبعاد المشاكل والمعوقات في كل دولة عربية .
… التفكير في إنشاء شبكة عربية للتوعية والإرشاد.
…اعتبار موضوع توعية وإرشاد الشعوب العربية في مجال المياه قضية قومية .
… ﻹنجاح التوعية والإرشاد للمحافظة على المياه ، لابد من توفير كل مقومات النجاح من دراسة وبحث وتطبيق فعال وهادف.
… تعميم الأنابيب والحنفيات التي تنزل الماء بمقدار، وتتوقف تلقائيا بمجرد عدم الاستعمال الدال عليه إبعاد اليد أو الإناء .
إن كان باستطاعتنا عمل أحسن من هذا ويجب علينا عمل ما هو أحسن من هذا إذا فتشنا عن طريقة بسيطة وغير مكلفة للخروج من الأزمة ، وإلا فإننا سندفع تكلفة باهظة بالدولارات والإنسانية. إن شعورنا بالأزمة التي سنعاني منها يجب أن يشجعنا على التعاون بشكل أكبر.
ماذا يمكنك أن تفعله في هذا المجال
- أكتب لممثلك في مجلس الأمة أو النواب لحثهم على إصدار قوانين معينة للحفاظ على المياه أو التقليل من تلوثها.
- أكتب رسالة الى محرر الصحيفة الخاصة بك في شأن هدر المياه.
- أرسل ملاحظة الى محرر صحيفتك طالبا منه كتابة هذه العبارة في الصفحة الأولى وبحروف بارزة » الرجاء مساعدتنا في المحافظة على أثمن مواردنا :المياه
- إذا كنت طالبا أكتب بحثا في هذا الموضوع، واجعله جزءا من أحد مواضيع دراستك.
- إذا كنت معلماأوأستاذا، أطلب من طلابك أن يكتبوا بحثا في الموضوع .
- اقترح على إمام مسجدك أن يتناول الموضوع في إحدى خطب الجمعة .
- إذا كنت متحزبا، اقترح إجراء نقاشات واسعة في الموضوع داخل مقر الحزب.
- إذا كنت من رواد النوادي أو المقاهي نظم جلسة للتفكير والنقاش حول موضوع الماء .
أستاذ باحث في علم المياه ـــ مكناس ــ
المملكة المغربية
a.aghzaf@caramail.com
aghzaf54@yahoo.fr
الأستاذ عبدالرحمان أغـــــــــزاف
|