2008-12-02 18:26:59
الرئيس الأسد يوجه بتسمية أحد شوارع دمشق باسم الراحل.. قتيبة الشهابي

أربعون يوما على رحيلك والذكرى مازالت موجعة...

 

أربعون يوما على رحيلك والذكرى مازالت موجعة... كنت تعلم أن لا سلطان على الموت، وعندما تحين الساعة فلن يوقفها شيء مهما قويت الإرادة أو قاومت النفس..

وأنت قاومت أشد ما تكون المقاومة ليس خوفا بل إيمانا منك بأن الحياة لا يخلدها إلا الإبداع وأن ذكرى الإنسان تبقى فيما تركه وراءه من أثر. وأنت ما أكثر ما تركت وما أجمل ما رسمت وما أروع ما كتبت... فجاء حفل تأبينك حافلا بمآثرك ولم تبق كلمة جميلة إلا وقيلت فيك ولك .. ‏

بحضور السيد فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية والدكتور سعد الله آغا القلعة وزير السياحة والدكتورة حنان قصاب حسن رئيسة الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة والدكتور علي القيّم معاون وزير الثقافة وعدد كبير من النخب الثقافية والاجتماعية في دمشق... أقيم مساء الخميس حفل تأبين للباحث والفنان الدكتور قتيبة الشهابي نظمته الأمانة العامة بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيله.. في المجمع الثقافي في ضاحية دمر. ‏

كل من حضر، حضر ليس فقط بصفته الرسمية بل بصفته الشخصية وبسبب العلاقة الحميمة التي تربطه بالراحل .. وأخص بالذكر السيد فاروق الشرع الذي لم يستطع إلا أن يكون حاضرا في حفل تأبين صديقه الدكتور قتيبة الشهابي وهوالذي أعرف تماما أنه كان موجودا وحاضرا دائما في أوقات الشدة والألم. ‏

والكلمات التي ألقيت في هذا الحفل تؤكد البعد الإنساني لعلاقة الراحل مع كل من حضر. كانت الكلمة الأولى للسيدة الدكتورة حنان قصاب حسن والتي قالت في بدايتها: ‏

«بين الرحيل والبقاء عتبة، يعبرها بعض الناس بألم وبعضهم الآخر بهدوء وسكينة... وهؤلاء تظل صورتهم وكأنهم ما غادروا».

ثم تتساءل: «هل رحل حقا أم هو باق معنا... في كتبه وصوره ليحفظ ذاكرة المدينة التي أحب»...وتعود بها الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة وتراه: "هو الذي أحب الحياة والرحلات والسهرات... لقد ورثته عن أبي وأمي.. ولا تغيب صورته وهو يمثل معنا ومع باقي الأصدقاء مثل عبد القادر أرناؤوط ونعيم اسماعيل وعدنان بغجاتي وسعيد حورانية وصلحي الوادي وآخرين... لا نذكره إلا بالابتسامة ولا نتحدث عنه إلا بصيغة الحاضر والمستقبل .. سيبقى ماثلا معنا لأنه يحبنا ولأننا نحبه". ‏

وأكدت في نهاية كلمتها أن كتابه الأخير الذي كان قد انتهى من تحضيره سيكون من الإصدارات الأولى لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة.. ‏

ومع أن قتيبة الشهابي وبحسب اعترافاته لم يكن يحب الطب كثيرا فلقد كان طبيبا بارعا يشهد له بذلك زملاؤه وطلابه. وكما قال الدكتور محمد عربي كاتبي الذي ألقى كلمة نقابة أطباء الأسنان: إن الأسطورة التي لا تنتهي هي المعرفة .. مضيفا أن: أصابع الدكتور قتيبة الشهابي كانت شموعا أضاءت لنا درب الظلمات.. كانت الكلمات تغرد في شفتيه والابتسامة لا تفارق شفتيه.. في حضوره عظمة وكأنك إذا جلست إليه أمام كتاب مفتوح. كتبه مرجع في الطب لكل طالب ومازالت تدرّس في جامعة دمشق حتى اليوم.."  

ثم ألقى الدكتور علي القيم كلمة وزارة الثقافة قائلا: من المؤلم أن يتحدث المرء في حفل تأبين لرجل عرفناه جميعا يحب الحياة ويسعى لدراسة معالم هذه الحياة في الآثار ... قتيبة الشهابي كان إنسانا بكل ماتعني هذه الكلمة.... التقيته عندما أصدر كتابه الذي يحمل عنوان (سورية هنا تبدأ الحضارة ...( وكان قد عمل عليه بجهد كبير وواضح.... هوايته وموهبته بالتصوير ساعدته في أعماله التوثيقية . كان يدون كل المعلومات التي يحصل عليها على بطاقات ... ثم وبعد تجميع الفكرة كاملة يبدأ بالعمل على الكتاب.... لقد كانت كتبه قريبة من الناس ومختلفة عن الكتب التوثيقية الجافة... مؤكدا في النهاية أن قتيبة الشهابي سيبقى معنا دائماً .. ‏

أما كلمة وزارة السياحة التي عمل فيها مستشارا لأعوام طويلة فلقد ألقاها الأستاذ فيصل نجاتي مدير سياحة دمشق... مؤكدا أن الدكتور الشهابي عشق سورية أرض العراقة والتاريخ ووجد في السياحة المجال المناسب لإيصال رسالة عشقه إلى سورية عموما وإلى دمشق بشكل خاص.. مضيفا أنه: كان يتحدث بكامل كيانه وملامح الطفولة ما زالت على وجهه..لقد مثل وزارة السياحة في مهمات عديدة وكان المحاور المقنع والمتحدث المبدع.. فلتكن هذه الأمسية احتفاء بحياة باحث كبير أحب دمشق وعمل من أجلها..
 

كلمة وزارة الإعلام ألقتها السيدة ميساء نعامة: التي أكدت أنها عرفت الراحل من خلال كتبه ومجلداته قبل أن تتعرف عليه شخصيا.. وكانت تتساءل دائما عن هذا الرجل الذي يكتب عن هذه المدينة، هل يكتب أدبا أم تاريخا أم موسيقا شعرية...؟ لكن عندما عرفته عن قرب استطاعت الحصول على كل الإجابات عن كل الأسئلة... مؤكدة أن دمشق التي أحبها وصورها تزهو اليوم وتفتح أبوابها السبعة لكل العرب وتنثر عبق ياسمينها بذكراه العطرة. ‏

ومع أن الدكتور الشهابي لم يكن عضوا في اتحاد الكتاب العرب إلا أن كلمة الاتحاد في تأبينه لم تكن غائبة ولقد ألقتها السيدة فادية غيبور نائب رئيس اتحاد الكتاب .. قائلة: أنها لم تتعرف على الراحل قتيبة الشهابي إلا من خلال ما قرأته عنه وله، وقد شكل هذا منعطفا هاما في حياتها المهنية والثقافية وكان ذلك في السبعينيات... لكنها دهشت عندما علمت أن الدكتور قتيبة الشهابي ليس عضوا في اتحاد الكتاب !!! ‏

وأضافت : الحقيقة أن بعض الشخصيات المبدعة لا يتسع لها اتحاد أو نقابة أو مكان محدود مسوّر بقوانين.. وقتيبة الشهابي واحد من هؤلاء. كل مكان يبدو صغيراً بالنسبة له، إنه يحتاج إلى فضاء خاص به إلى فضاء دمشق التي عشق والتي رحل وهو مشغول بإزالة الغبار عن واجهة زجاجية هنا أو لوحة قديمة هناك.. ‏

وأكدت أن من المفروض بحث موضوع المكتبة الضخمة التي يقتنيها الدكتور الشهابي مع أن المنطق يقول أن يخصص لها جناح خاص في مكتبة عامة ويسمى باسمه. ‏

جمعية أصدقاء دمشق كان لها كلمتها في هذا الحفل فهي من ودعت أجمل محبي دمشق وعاشقها الأول كما درجت تسميته وأصبح هذا اللقب الذي يعرف به.. ألقى كلمة الجمعية الدكتور بسام صواف قائلا: ‏

لقد فقدت دمشق أحد أعز أصدقائها المرحوم الدكتور قتيبة الشهابي عالما وفنانا ومؤرخا .. ومصورا... مضيفا أن هذا الرجل كان موهوبا .. والكاميرا لم تكن تفارق كتفه في كل رحلاتنا وتنقلاتنا .. يصور ويلتقط الزوايا التي قد لا تراها عين الإنسان العادي. ‏

الدكتور الفنان الياس الزيات تحدث باسم الفنانين التشكيليين الذين كان الراحل من الأسماء البارزة بينهم، وتحدث عن صداقته مع الراحل ورفقة الدرب التي جمعتهم، درب الرسم والتصوير متذكرا أيام الشباب وهم سارحون في بساتين الغوطة وأزقة دمشق والقيمرية وكل حواري دمشق... واصفا الراحل بأنه كان يحب المزاح الذكي البريء أما في الفن والتاريخ فكان مثال الدقة والأمانة ..
 

طلاب الدكتور قتيبة لم ينسوه .. حيث ألقى كلمتهم الدكتور محمد منير أبو شعر.. مؤكدا أن ليس هناك تنافر بين الطب وبين مختلف أنواع الفنون فكل منهم يزود الآخر ويغنيه .. لقد قدم للمكتبة العربية الكثير الكثير وتصدرت كتبه مكتبة الكونغرس الأمريكية .. وبالوقت نفسه كان أمينا على الرداء الأبيض وكانت عيادته بيته الأحب. ‏

وأضاف أن حتى ابن عساكر بكاه الذي وجد فيه خليفة له ... وأكد أنه وقبيل ساعات من وفاته تمنى عليه أن ينقل للمسؤولين رسالة مفادها: أنهم إذا أحبوا أن يكرّموا شخصا أن يكرّموه في حياته وليس بعد وفاته، فكما قال فولتير: أعظم أن يكرموني وانا في الحياة من أن يكتبوا عني آلاف المجلدات بعد الموت. ‏

كلمة أصدقاء الفقيد ألقاها العقيد أحمد كتوم، الذي رافقه في العمل في مجلة (دليل السائح) لمدة خمس سنوات،فقال: كان مصدر معرفة واسعة وذا أسلوب راق في نقل هذه المعرفة. لقد تعلمنا منه الصبر والتفاني والدقة والسعي لاكتساب المعارف وتعلمنا منه التواضع والعطاء وقبول الرأي الآخر والتعلم منه، هذه القيم التي أصبحت نادرة اليوم... عاشق الشام الاسم الذي اعتقدت اني اخترته له اكتشفت أنه لقبه الملازم له منذ زمن. ‏

آخر الكلمات كانت لزوجته السيدة الدكتورة هالة الحواصلي شريكة العمر ورفيقة الدرب التي استطاعت بكلمات قليلة أن تعبر عن حبها وفقدها لهذا الرجل الذي رافقته خلال مسيرته بحلوها ومرها ، فقالت: ‏

سلاما يا شريك العمر .. ‏

سلاما أيها الحبيب .. ‏

سلاما ياعاشق الشام.. ‏

ثم تحدثت عن تفانيه في عمله خاصة عندما أوكلت إليه مهمة تسمية شوارع دمشق وكيف أتم العمل بكل أمانة وكيف هي دمشق اليوم تهديه شارعا ليكون باسمه هو...وتوجهت بالشكر للسيد الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي وافق ووجه على تسمية أحد شوارع دمشق باسم الدكتور قتيبة الشهابي. ‏

وتحدثت عن خصال الفقيد قائلة: سنين طويلة من العمر أمضيتها معك كرست فيها وقتك ومالك وجهدك من أجل دمشق، خلدت كل شيء فيها، كتبا موثقة بالكلمة الصادقة احتاجت لفريق عمل كامل وكنت أنت وحدك هذا الفريق. لقد تركت إرثا لن يمحى ولم تكن تعرف أنك بيديك الصغيرتين كنت تطرق باب الخالدين. وأخيرا تمنت على إحدى المؤسسات الثقافية إعادة طباعة كتبه وجمعها في موسوعة واحدة متكاملة عن دمشق لتكون مرجعا في متناول الجميع. وشكرت كل الأصدقاء الذين كانوا إلى جانبها وقت الشدة. ‏

ثم تذكرت يوم تم تكليف السيدة الدكتورة حنان قصاب حسن بأمانة احتفالية دمشق وكيف اتصل بها الراحل مهنئا وراجيا منها أن تطلب ماتشاء فكل خبراته وأعماله ستكون تحت تصرفها وفدى دمشق. مضيفة: لكن يبدو أن كل هذا كان قليلاً على حبيبتك دمشق ففديتها بروحك... ‏

بعد كل آلام المرض والسعي جيئة وذهابا إلى المشافي شعرت بالملل .. لقد ملّ جسدك النحيل أسرّّة المشافي ووخز الإبر فعدت بك إلى البيت ... وعندما صحوت بعد غيبوبة قصيرة .. أمسكت يدي وقلت : أنت حبيبتي. ‏

فيلم وثائقي ‏

بعد هذه الكلمات المؤثرة تم عرض فيلم وثائقي عن الراحل قتيبة الشهابي من إعداد الزميلة ميساء نعامة.. بعنوان صدى صور... ورصدت السيدة ميساء من خلاله المرحلة الأخيرة من حياة هذا المؤرخ الطبيب بعد معرفته بإصابته بمرض السرطان وكيف كان على ثقة أن هذا المرض يحتاج إلى مقاومة خاصة من قبل المصاب وأن نصف العلاج مرتبط بحالة المصاب النفسية والنصف الآخر بالأدوية والعقاقير...وكيف كان يداوي نفسه بالعمل ليبعد شبح الموت عنه.... وكيف أصبح يسابق الموت ليس خوفا بل ليكسب الوقت ويكمل ما بدأه من أعمال متراكمة. ‏

معرض للوحاته ‏

وقبل الدخول إلى صالة المسرح حيث أقيم حفل التأبين أطلت علينا مجموعة من اللوحات التي رسمها بريشته وتحمل فيها عبق التاريخ والذاكرة التي تحن إلى كل زاوية من زوايا دمشق القديمة. ‏

قتيبة الشهابي .. كم بقي من الأصدقاء بعد رحيلك لقد ودعت الكثيرين وها أنت اليوم تذهب للقاء الأحبة الذين سبقوك.. ونحن كل يوم نفقد عزيزا ومبدعا من جيلكم. هذا الجيل الذي حمل الوطن أمانة بين أضلاعه ومات يعتصرها في ثنايا الروح.. سلام لروحك التي لاتزال ترفرف بيننا... سلام لكل رجال الزمن الجميل .. للنبل والأصالة والصدق والحق.