2008-08-29 23:37:08
هل استجابت تجربة البعث لتحديات الواقع؟

(بقلم السيد عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي)

(بقلم السيد عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي)


في ذكرى التأسيس تلزم المراجعة والتقويم...

الإطار الشمولي لأية مراجعة يجب أن يستند إلى شمولية الوجود، أي إلى حركة الحياة وحركة التاريخ. أما معيار تقويم حركة الحزب، في جانبها الفكري والفعلي، فهو في مدى التطابق بين هذه الحركة وبين حركة الحياة وحركة التاريخ..

ونذكر جميعاً وصف القائد البعثي التاريخي حافظ الأسد لحركة البعث عندما أكد على التماهي بينها وبين حركة الحياة والتاريخ.

والتقويم، على أساس المعيار المذكور، معيار التطابق، يكون في منظورين، الأول هو المنظور الكلي، والثاني هو المنظور المراحلي..

وبين المنظورين، لا شك تلازم وتفاعل، لكن هناك أيضاً اختلاف في الجزئيات، إذ إن التقويم الكلي لا يعطي بالاً لما يحدث في المراحل، فما يهمه فقط المسار بكامله، أما التقويم المراحلي فهو يركز على ما في المراحل ذاتها من نتوءات واستطالات وقضايا تفصيلية تخص الفكر والتجربة..

ومن حيث التقويم الكلي، يمكن التأكيد اليوم أن حركة الحزب قد تطابقت مع حركة الحياة وحركة التاريخ طوال الفترة الماضية، والدليل على ذلك أن الحزب مازال قائماً ومستمراً، ويقود الدولة والمجتمع في قطر عربي ذي دور مفصلي في هذه المنطقة الهامة والحساسة من العالم.. ومن الواضح أن أحداً لا يستطيع - حتى لو أراد- أن يدرس حركة الحياة وحركة التاريخ في سورية دون أن يجد في محورها حركة البعث ونضاله منذ التأسيس، كما لايستطيع أحد أن يتصور مستقبل هذا القطر بعيداً عن مسيرة البعث، لأن الحزب أضحى ممتزجاً بالكينونة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لسورية.

ومن جانب آخر، من الصعب دراسة حركة الحياة وحركة التاريخ للواقع العربي طوال العقود الماضية دون أن يلحظ الباحث أثراً لحزب البعث، وفي كثير من الأحيان والمناطق يكون هذا الأثر سائداً أو على الأقل غالباً في مقارنته مع الآثار الأخرى.

هذه ليست فرضيات ولا تصورات، إنها حقائق عينية قبل كل شيء.

أما على الجانب المراحلي، فالتقويم هنا يختلف إذ إن البعث في بعض المراحل كان يقترب من الضياع والتيه، لكنه كان دائماً يمتلك الآلية اللازمة لتصحيح المسار وفقاً لمعيار التطابق بين حركته وحركة الحياة.. وما قيام الحركة التصحيحية في عام 1970 بقيادة القائد الخالد حافظ الأسد التي أعادت الحزب إلى مساره الصحيح سوى تجسيد لما نقول..

كانت علاقة الحزب بالجماهير هي المرجع دائماً، لماذا؟ لأن الجماهير، حركتها، مطالبها، طموحاتها، هي مقياس الحياة، وهي تتماهى مع الحياة، عملياً عبر الاحتكاك اليومي مع الواقع، ومعرفياً عبر الحدس، والحدس واحد من أفضل طرق المعرفة.

كان البعث دائماً يصحح مساره عندما يشعر بأن افتراقاً ما قد ظهر بين حركته وحركة الحياة، حدث هذا في الخمسينيات، في أوائلها وأواخرها، كما حدث قبل حركة 23 شباط 1966، وحدث قبل الحركة التصحيحية التي جاءت تتويجاً لفلسفة الإصلاح والتطوير..

يقول السيد الرئيس بشار الأسد في هذا المجال: «إن البعث كما يفترض أن يكون واضحاً في ذهن كل منا هو قضية قبل أن يكون تنظيماً سياسياً، ورسالة حضارية قبل أن يكون حزباً في السلطة.. ولابد له كي يدافع عن قضيته ويضطلع بأداء رسالته من أن يطور تعاليمه ومناهجه، وأن يتجاوز ما يظهر من قصور في أدائه».

ومسيرة البعث خلال إحدى وستين سنة في تطور مستمر.. فقد امتلك الحزب قدرة من نوع فريد، وهي قدرته على تطوير ذاته وتجديد طاقاته فكرياً وتنظيمياً بما يتلاءم مع المهام التي تطرحها كل مرحلة من المراحل.

البعث قضية ورسالة، هذا هو شرط التطابق بين الحركتين، وهو تطابق مازال الالتزام به اليوم ضرورياً لاستمرار رسالة الحزب وتعزيز دوره في عملية التنمية والنهوض بالمجتمع العربي السوري، كما هو ضروري لتطوير أدائه على مستوى النضال القومي أيضاً، لأن الحزب لا يرى لأي قطر وجوداً حقيقياً خارج كينونته القومية.

بل إن التطابق اليوم أضحى أكثر ضرورة، لأننا نعيش مرحلة مفصلية تتسارع فيها الأحداث والتغيرات، فالهيمنة الأمريكية المتحالفة مع الصهاينة تريد إخضاع المنطقة لسيطرتها عبر العدوان والاحتلال وممارسة الضغوط، وقد جوبه هذا الاستهداف بالمقاومة والممانعة والصمود وبناء الذات بعيداً عن تدخل الآخرين. وعند المراحل المفصلية يتصاعد دور القوى التي تحرك التاريخ .. وحزبنا واحد منها.

ونستطيع اليوم أن نجد حولنا أحداثاً كثيرة تؤكد التزام البعث بهذه الاستجابة، لنأخذ - على سبيل المثال لا الحصر- حدثاً مؤثراً كقمة دمشق العربية، نرى أن هذه القمة تتميز عن غيرها في السنوات الأخيرة أنها الأولى التي انعقدت ونجحت رغماً عن إرادة الإدارة الأمريكية وتدخلها القوي والمباشر لمنع انعقادها.

وعبّر بيانها الختامي «إعلان دمشق» عن رؤية واضحة وجماعية لمعاناة الأمة والمواطنين العرب في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال، تلك المعاناة الناجمة عن المخطط العدواني الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف أرض العرب وثرواتهم وهويتهم العربية القومية ومستقبلهم، مؤكدةً على التضامن العربي للدفاع عن الحق العربي واسترجاع الحقوق المغتصبة ومنع المخطط المعادي من تحقيق أهدافه في منطقتنا.

إن ما أشرنا إليه، من أحداث وانعقاد القمة ونجاحها في ظل هذه الظروف المعقدة دليل على استمرار دور البعث فكراً وممارسة.. لكن هذا يجب ألا يدفع بالبعثيين إلى الرضا عن النفس والخلود للراحة، وإنما يجب أن يحفز لديهم طاقات العمل المحدد كلاً في ساحة عمله، لأن الاستمرار لا يقوم إلا على أساس العمل المتواصل.

والمراجعة وإن كانت تختزل الماضي، إلا أنها ضرورية للحاضر والمستقبل، وما الماضي والحاضر والمستقبل سوى نقاط تطور في سلسلة واحدة، تشكل حركة الحياة محورها..